الأخبارمقالات و آراء

د. حسام الدجني يكتب: ما بين موسكو و وارسو

موت الإنسان في هذا العالم مرة واحدة، بينما يموت الشعب الفلسطيني أكثر من مرة، فالقهر الذي ينتابنا كفلسطينيين لا يوصف، كيف لا ونضالنا وتضحياتنا لأكثر من قرن من الزمان لم تحقق إلا مزيد من الانتكاسات الداخلية والخارجية، ولكن ربما ما حصل في موسكو ووارسو هي الانتكاسة الأكبر في هذا الزمان.

ما حصل في موسكو تراجيديا تعكس حجم أزمتنا الداخلية، وأزمة الثقة بين فصائلنا الفلسطينية، وهو لا يتجاوز سياحة المؤتمرات، ودبلوماسية الابتسامات المستفزة، والتي تعكس انفصاماً سياساً لدى البعض.

 كيف يجرؤ الدكتور موسى أبو مرزوق وعزام الأحمد توزيع تلك الابتسامات، بينما الدموع لم تجف بعد لعوائل خمسة آلاف أسرة فلسطينية قطعت السلطة الفلسطينية في رام الله رواتبهم الشهر الماضي، ومنهم أهم شريحة مجتمعية وهي عوائل الشهداء والأسرى، فقد قطعت السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس رواتب عوائل الشهداء، وعلى رأسهم عائلة الشهيد الزعيم أحمد ياسين، ود. عبد العزيز الرنتيسي، وإسماعيل أبو شنب وغيرهم العشرات من عوائل الشهداء والجرحى والأسرى. كيف يجرؤون ودماء شهداء الهجرة لم تجف من على شواطئ اليونان والجزائر بسبب السياسات الخاطئة في قطاع غزة والضفة الغربية التي تركت آلاف الشباب ينتظرون على أرصفة الشوارع أملاً في وظيفة هنا وعمل هناك.

فشل لقاء موسكو، ولا أقول فشل بل أفشل، كما يتم إفشال لقاءات القاهرة لغياب الإرادة الحقيقية، وقوة جماعات المصالح المستفيدة من حالة الانقسام، بالإضافة للفواعل الخارجية ودورها في بقاء الانقسام، ولابتعادنا عن أصل المشكلة وهي إقامة سلطة تحت الاحتلال، يتحكم فيها الاحتلال بكافة مناحي الحياة، فيرسم لنا خارطة الأمل والألم وفقاً لرؤيته الاستراتيجية للصراع.

لقد فشل موسكو ونجح وارسو، وأقول نعم نجح وارسو، نجح في دفع عجلة التطبيع للأمام، نجح في دفن مبادرة السلام العربية التي تؤكد على: لا تطبيع مع الاحتلال قبل إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، نجح وارسو في جعل إيران عدو للأمة، بينما إسرائيل دولة طبيعية وحليفة وصديقة لبعض الدول العربية، نجح في التأسيس لبناء شرق أوسط جديد تكون إسرائيل أحد مكوناته وصولاً للهيمنة والسيطرة عليه كما قال شمعون بيريس في كتابه الشرق الأوسط الجديد في تسعينيات القرن الماضي، نجح وارسو لأننا فشلنا في القاهرة وموسكو وداكار والدوحة إلخ…

يجب أن نقر أننا كفلسطينيين نتحمل جزء من المسئولية التاريخية عن هذه المرحلة، وتبدأ المسئولية من عند اللحظة التي وقعنا فيها اتفاق أوسلو، فنجحت إسرائيل عبر هذا الاتفاق وما رافقه من تنازلات ولقاءات وابتسامات جمعت قادة فلسطينيين مع إسرائيليين، ساهمت بأن يدّعي البعض من أبناء جلدتنا العرب والمسلمين بأننا لسنا ملكيين أكثر من الملك، وبدأت عجلة التطبيع بالدوران، إلا أن التعويل يبقى على شعوب الأرض، فنموذج الشعب المصري والأردني التي وقّعت حكومتي بلاده اتفاقيات سلام مع دولة الاحتلال، ولكنه ما زال وسيبقى يلفظ دولة الإرهاب والاحتلال، ولا يمكن أن يتم القبول بدولة إسرائيل كدولة طبيعية بالمنطقة طالما بقيت كقوة احتلال في المنطقة، وتمارس أبشع أشكال الجرائم والإرهاب ضد الشعب الفلسطيني، وتضرب بعرض الحائط كافة القوانين الدولية في تعاطيها مع الشعب الفلسطيني.

إن المطلوب في هذه المرحلة الحرجة من القيادة الفلسطينية أن تبدأ مرحلة التقييم الشامل للصراع، والخروج بخيارات وقرارات صادمة للاحتلال وحلفائه، كرد طبيعي على انقلاب إسرائيل ومن خلفها الإدارة الأمريكية على حل الدولتين، ولعل أهم خيار مقترح يكون من خلال إحياء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية عبر انتخابات ديمقراطية حيثما أمكن وبالتوافق حيثما يتعذر.

يبدأ المجلس الوطني المنتخب بحوار استراتيجي لتقييم كل شيء، واتخاذ قرارات تبدأ من عند الإعلان الرسمي عن فشل حل الدولتين، وبذلك تتراجع منظمة التحرير عن وثائق الاعتراف المتبادل، وعن القبول بقرار 242 وغيرها من القرارات ذات الصلة بحل الدولتين، والإعلان للعالم عن حل السلطة الفلسطينية، وتبني خيار الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية لكل مواطنيها. وتبدأ مرحلة نضال سلمي داخل فلسطين وخارجها للتسويق للفكرة ووضعها على الأجندة الدولية، لا سيما أن الفكرة تنسجم ومنظومة القيم الدولية والقانون الدولي.

أتوقع أن السلوك الإسرائيلي سيذهب باتجاه عدم قبول فكرة الدولة الواحدة، وهي تهديد وجودي لها، ولكنها بالمقابل لا يمكن أن تستخدم حرب اللا خيار (خيار شمشون) ضد الفلسطينيين، أي ستكون المعركة معها أخلاقية قانونية وسياسية، وهنا نحقق خمسة انجازات هي:

  1. التخلص من عبء الصراع على السلطة، والذي رسخ لدينا انقساما نتائجه وتداعياته أخطر من الاحتلال نفسه، وبذلك تتحقق وحدة وطنية فلسطينية حقيقية.
  2. إحياء منظمة التحرير وتحريرها من أمراض التبعية والهيمنة وصراع النفوذ.
  3. الحرب الديموغرافية هي الأكثر نجاعة وأقل تكلفة من بين باقي الخيارات الأخرى في هذا الزمن الذي تختل فيه موازين القوة والمنطق.
  4. سحب كل الذرائع والمبررات التي تصف المقاومة ونضال شعبنا بالإرهاب، وهذا يساعد الشعب الفلسطيني في التحرك وجلب الدعم لإنجاز استراتيجيته.
  5. في حال وافقت (إسرائيل) على خيار الدولة الواحدة فسيكولوجية اليهودي لا يمكن أن تقبل مبدأ التعايش وبذلك سنرى هجرة عكسية، وفي حال قبل التعايش فسيعيش الجميع في كنف الدولة المدنية التي يحكمها القانون.

HOSSAM555@HOTMAIL.COM

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق